عن المستقبلية وماياكوفيسكي - ليون تروتسكي

       ملصق سوفيتي يحتفي بشاعر الثورة الروسية ماياكوفيسكي


ملاحظة: هذا المقال هو مقتطف من رأي ليون تروتسكي عن شاعر الثورة الروسية ماياكوفيسكي، و هذه تعتبر الأطروحة المركزية لتروتسكي في هذا الكتاب الذي يعد من أجرأ الإقتحامات الماركسية لعالم الأدب و الفن انطلاقا من المبدأ الذي حدده على صفحات “البرافدا” في سنة 1923 – يوم كان قائدا للجيش الأحمر – المبدأ القائل : ليس بالسياسة وحدها يحيا الإنسان، نضع لكم كتاب الأدب والثورة - ليون تروتسكي

ماياكوفسكي موهوب كبير، أو كما يعرّفه بلوك، موهوب هائل. فهو قادر على تمثيل أشياء، سئمنا رؤيتها، على نحو تبدو معه وكأنها جديدة. يتلاعب بالكلمات وبالقاموس كمعلم مقدام يعمل طبقا لقوانينه الذاتية، سواء أحاز عمله الفني على الرضى أم لم يحز عليه. الكثير من صوره، من صيغه، من تعابيره، دخل الأدب، وسيبقى مقيما فيه ردحا طويلا من الزمن، ان لم نقل الى الأبد. له تصوراته الخاصة، تمثيله الخاص، وزنه الخاص وقافيته الخاصة.
مرمى ماياكوفسكي الفني ذو مغزى على الدوام تقريبا، وذو فخامة في بعض الأحيان. فالشاعر يدرج في مجاله الخاص الحرب والثورة، الجنة ولجحيم. وماياكوفسكي يكره التصوف، يكره كل ضروب النفاق والرياء، يكره استغلال الإنسان للإنسان، وتعاطفه متجه كله الى البروليتاريا المكافحة. لا يزعم أنه كاهن الفن، أو على الاقل أنه كاهن ذو مبادئ؛ بل على العكس، فهو على استعداد ليضع فنه كله في خدمة الثورة.
لكننا لا نجد في هذه الموهبة الكبيرة، أو بالأصح في كل شخصية ماياكوفسكي الخلاقة، ذلك التآلف الضروري بين مركباتها، ذلك التوازن، ولا حتى توازنا ديناميا. ماياكوفسكي يدلل على أكبر الضعف حيثما يتوجب التدليل على حس التناسب وعلى المقدرة على النقد الذاتي.
كان من الطبيعي لماياكوفسكي أكثر منه لاي شاعر روسي آخر أن يقبل بالثورة، لأنها كانت تتفق ومجمل تطوره. كثيرة هي الطرق التي تقود الانتيليجنسيا الى الثورة (لا توصل جميعها الى الهدف)، ومن المهم بالتالي تحديد إتجاه ماياكوفسكي الشخصي وتقديره حق قدره. هناك طريق الشعر “الموجيكي” الذي سلكته الانتيليجنسيا و”رفاق الدرب” المتقلبو الأطوار، وهناك طريق الصوفيين الذين يكدون في أثر “موسيقى” أسمى (ا. بلوك)، وهناك طريق “تغيير الاتجاه” (26) وطريق أولئك الذين يتحملوننا لا أكثر(شكابسكايا، شاغينيان). وهناك طريق العقلانيين والانتقائيين (شكابسكايا، غورودتسكي، وشاغينيان ايضا)، كذلك توجد طرق أخرى عديدة، ولا يسعنا أن نسميها كلها. وقد جاء ماياكوفسكي من أقصر الطرق، طريق البوهيميا المتمردة، المضطهَدة. فقد كانت الثورة بالنسبة إلى ماياكوفسكي تجربة حقيقية، فعلية، عميقة، لانها انقضت كالرعد و البرق على الاشياء ذاتها التي كان يكن لها ماياكوفسكي البغض على طريقته والتي لم يكن قد تصالح معها بعد. في ذلك، تحديدا، تكمن قوته. لقد صبت نزعة ماياكوفسكي الفردية الثورية بحماسة في الثورة البروليتارية، لكنها لم تتحد بها. فعواطفه اللاشعورية تجاه المدينة، والطبيعة، والعالم قاطبة، ليست عواطف عامل، وانما عواطف انسان بوهيمي. أن “مصباح الشارع الاصلع الذي يعري الشارع من جواربه”، هذه الصورة الأخاذة المميزة لماياكوفسكي كل التمييز، تلقي على طبيعة الشاعر البوهيمية والمدينية من الضوء أكثر مما يلقيه أي اعتبار آخر. والنبرة الصفيقة والماجنة للكثير من الصور، وبخاصة صور المرحلة الشعرية الأولى، تنم عن البصمة الواضحة أكثر مما ينبغي الوضوح للملهى الفني، للمقهى،  ولكل ما يرتبط بهما.
إن ماياكوفسكي أقرب الى طابع الثورة الدينامي وبسالتها الصلبة منه الى الطابع الجماعي لبطولتها و مآثرها وتجاربها. وكما كان الاغريقي القديم انساني التشبيه، يحسب بسذاجة أن قوى الطبيعة تضارعه وتماثله، كذلك فان شاعرنا ماياكوفيّ التشبيه،  يعمر بشخصيته ساحات الثورة وشوارعها وميادينها. صحيح أن الضدين يتلاقيان. فتعميم اناه الخاصة يمحو الى حد ما حدود الشخصية ويقرب الانسان من الجماعة، عن طريق الطرف المقابل. لكن ليس ذلك بصحيح الا الى حد ما. فالصلف الفرودي والبوهيمي، الذي يتنافى، لا مع تواضع لا يطالب به أحد، وإنما مع اللباقة وحس الاعتدال اللذين لا غنى عنهما، يخترق اختراقا كل ما كتبه ماياكوفسكي. كثيرا ما نلفى توترا شديد الارتفاع في أعماله، لكن لا نلفى على الدوام قوة كامنة خلفه. فالشاعر يبرز نفسه أكثر مما ينبغي. لا يمنح الأحداث والوقائع الا القليل من الاستقلال، بحيث أن الثورة ليست هي التي تقارع العقبات، وإنما ماياكوفسكي الذي يجترح معجزات في مضمار الكلمات تضارع تلك التي يجترحها صناديد ألعاب القوى في الرياضة البدنية. أحيانا، نراه يحقق معجزات حقا، لكنه بين الفينة والفينة، وعلى حساب جهود بطولية حقا، يرفع أثقالا مجوفة على نحو ظاهر للعيان.
عند كل خطوة يتحدث ماياكوفسكي عن نفسه، تارة بضمير المتكلم، وطورا بضمير الغائب، تارة كفرد، وطورا من خلال ذوبانه في الجنس البشري. حين يريد أن يعلى الإنسان، يرفعه الى ماياكوفسكي. مع كبريات حوادث التاريخ، يبيح لنفسه لهجة عدم الكلفة. ذلك هو أقل ما يطاق في عمله وأكثره خطورة. في وضعه، لا نستطيع الكلام عن أخفاف أو عكاكيز : فهي بالنسبة إليه ركائز صغيرة إلى حد مضحك. ماياكوفسكي يسند إحدى قدميه الى الجبل الأبيض، والأخرى الى إيلبروز(27) صوته يغطي على الرعد. فهل يمكن أن يأخدنا العجب حين نراه يعامل التاريخ بألفة، ويخاطب الثورة بلا كلفة؟ والحال، ههنا يكمن الخطر : فلو أخذ المرء على الدوام وفي كل مكان بمثل تلك المعايير العملاقة، وأرعد (لفظة مأثورة لدى الشاعر) من أعالي إيلبروز أو الجبل الأبيض، لغابت عنه مقاييس شؤوننا الأرضية، و لما عاد يستطيع تمييزا لما هو صغير عما هو كبير. لهذا يتكلم ماياكوفسكي عن حبه، أي عن مشاعره الحميمة، كما لو أن الموضوع هجرة الشعوب. لكن لهذا أيضا يعجز عن العثور على لغة أخرى حين يريد أن يتكلم عن الثورة. إنه يطلق طلقاته على الدوام بأعلى ارتفاع ممكن، لكن مثل هذه الرماية، كما يعلم كل مدفعي، تصيب الهدف بأقل عدد ممكن من الضربات، وتضرر ضررا بالغا بالمدافع.
صحيح أن النزعة الى المبالغة والغلو تعكس اندفاع عصرنا وضراوته، لكن ذلك لا يبرر استعمالها بخفة في الفن. فليس في مقدور المرء أن يصرخ بأعلى من الحرب أو الثورة. الا أنه من السهل أن يقع في شباك ذلك الإغراء. وحس الاعتدال في الفن شبيه بحس الواقعية في السياسة. والغلطة الأم في الشعر المستقبلي، حتى في أجود آثاره، الافتقاد الى الاعتدال. فضياع اعتدال الصالونات لم يؤد الى العثور على اعتدال الساحة العامة. والحال أنه لا بديل عن العثور عليه. فمن يرغم صوته على الزعيق، يجعله يصير أجش، مبحوحا، مختنقا، ويبطل مفعول الخطاب. ينبغي أن نتكلم بالصوت الذي حبتنا به الطبيعة، لا بصوت أقوى. وإذا توصلنا إلى ذلك، أمكننا استعمال ذلك الصوت بكل مداه. ماياكوفسكي غالبا ما يصرخ حيث ما كان عليه الا ان يتكلم فحسب. ولهذا تبدوا صرخاته، حيثما اقتضى الصراخ، وكأنها غير كافية. فإشجاء كلامه يتلاشى أمام الزعيق والبحة.
ان صور ماياكوفسكي القوية، بالرغم من روعتها في غالب الاحيان، تجزىء في غالب الأحيان أيضا المجموع، وتشل الحركة. والشاعر مدرك لذلك بكل تأكيد؛ لهذا تراه يطمح الى مغالاة أخرى: إلى لغة “الصيغ الرياضية”، الغريبة عن الشعر. وهناك ما يحملنا على الاعتقاد بأن الصورة للصورة، وهو ما تتصاهر به التخيلية والمستقبلية – وهل هناك أقرب الى التخيلية الفلاحية من ذلك الموقف؟ – تستمد جذورها من الخلفية الريفية لثقافتنا. فالصورة للصورة تصدر عن كنيسة باسيل الطوباوي أكثر مما تصدر عن جسر من الإسمنت المسلح. ومهما يكن التفسير التاريخي والثقافي لذلك، فان ما تفتقد اليه أعمال ماياكوفسكي أكثر من أي شيء آخر هو الحركة. قد يبدو ذلك من المفارقات، إذ أن المستقبلية تبدو مرتكزة برمتها على الحركة. لكن هنا يتدخل الجدل غير القابل للتطويع: ففرط الصور العنيفة يفضي الى الهدوء المسطح. والحركة، حتى تُدرك فيزيائيا، وكم بالأحرى فنيا، لا بد أن تتوافق وأوالية ادراكنا، وتواتر مشاعرنا. المفروض في العمل الفني أن يظهر للعيان النمو التدريجي لصورة، لفكرة، لمزاج، لحجة، لحبكة، حتى بلوغها أوجها، لا أن يتقاذف المرء من أفق الى آخر، حتى ولو فعل ذلك باقدر الصور على الاقناع والإفحام. لدى ماياكوفسكي، تسعى كل جملة، كل صيغة، كل صورة الى أن تكون حدا، ذروة، أوجا. لهذا يفتقد المجموع الى قمة. والمشاهد يخيل إليه أنه يتقطع إربا إربا، ويفلت منه كل شيء. إن تسلق جبل أمر شاق، ولكن مبرر. أما النزهة في ارض وعرة فلا تقل إتعابا، لكنها تعطي لذة أقل. وكتابات ماياكوفسكي لا ذروة لها، ولا تنصاع لأي انضباط داخلي. الأجزاء ترفض أن تمتثل للكل، بل يسعى كل واحد منها الى أن يستقل بذاته، فيطور ديناميته الخاصة من دون اعتبار للمجموع. لهذا لا وجود لا لمجموع ولا لدينامية المجموع. ان عمل المستقبليين في اللغة و الصور لم يصل بعد الى تجسيد مركب.
كان المفروض ب 150.000.000 ان تكون قصيدة الثورة. وما هي بذلك. فهذا العمل، العظيم في مرماه، ملغوم بضعف المستقبلية وعيوبها. اراد المؤلف أن يكتب ملحمة عن ألم الجماهير، عن بطولة الجماهير، ملحمة الثورة اللاشخصية ل 150.000.000 ايفان. لهذا السبب لم يوقعها :”لم يؤلف قصيدتي أحد”. لكن هذا الاغفال المقصود، الاصطلاحي، لا يغير في الأمر شيئا : فالقصيدة، في الواقع، شخصية للغاية، فردوية، وهذا بالمعنى المرذول لهاذين المصطلحين. انها مشوبة بالكثير الكثير من العسف المجاني. فصور من أشباه :”ويلسون السابح في الشحم”، لكل مقيم في شيكاغو لقب جنرال على الأقل”، “ويلسون يأكل بنهم، يسمن، تعلوا بطنه طابقا فطابقا”، الخ، هذه الصور البسيطة والفجة في الظاهر، ليست بحال من الأحوال صورا شعبية، وايست على كل حال صورا تستخدمها الجماهير اليوم. فالعامل، على الأقل ذاك الذي سيقرأ قصيدة ماياكوفسكي، قد رأى صورة ويلسون(28) الفوتوغرافية. وبالرغم من أنه يسعنا أن نسلم بأن ويلسون يلتهم كميات كافية من البروتينات والشحوم، فانه يبقى رجلا نحيفا. وقد قرأ العامل أيضا ابتون سنكلير(29)، ويعلم أن في شيكاغو، بالاضافة الى “الجنرالات”، عمال مسالخ. واننا لنحس بأن تلك الصور المجانية والبدائية تنطوي، بالرغم من نزعتها الى الغلو والمبالغة، على ضرب من الزأزأة(30) الشبيهة بتلك التي يلجأ اليها الراشدون مع الصغار، وما تنم عنه ليس بساطة خيال شعبي فياض، وإنما غباء البوهيميا. ان لويلسون سلما. “أذا تسلقته شابا، فلن تصل القمة الا بعد لأي يوم تكون قد صرت شيخا!”. ايفان يهاجم ويلسون، إنها مباراة “بطولة صراع الطبقات العالمي”.
عند ويلسون “غدارات بأربعة ديوك، وسيف بستين سنا منشارية”، لكن لدى ايفان “يد ويد أخرى، وهي مدفونة في حزامه”. ايفان أعزل من السلاح، يده في حزامه، يواجه الكافر المسلح بغدارات : إنها في الحق فكرة روسية قديمة جدا! ألسنا في حضرة ايليا مورومييتز(31)؟ اللهم الا اذا كان ايفان الساذج الذي يتقدم، حافي القدمين، لمجابهة الآليات الألمانية الحاذقة؟ يضرب ويلسون ايفان بسيفه : “يصرعه بأربع طعنات نجلاء… لكن الرجل الجريح ينهض فجأة”. وهكذا دواليك، وحسن الطالع دوما معه. ولكن كم هي في غير محلها تلك الأساطير الشعرية البدائية والحكايات الخرافية وما اتفهها حين تزدرع في شيكاغو الصناعية وتُطبق على صراع الطبقات! لقد أريد لذلك كله أن يكون جبارا عملاقا، لكنه لا يعدو أن يكون ضربا من ألعاب القوى، وألعاب القوى المشبوهة، المزيفة، التي تشعوذ بأثقال جوفاء. “مباراة البطولة العالمية لصراع الطبقات!”. ايها النقد الذاتي، أين أنت؟، ان مباراة البطولة عرض برسم ايام العطلة، وغالبا ما تكون مدبرة النتائج سلفا. لا الصورة ولا اللفظة تصلحان هنا. وبدلا من الصراع العملاقي الحقيقي لمئة وخمسين مليون  نسمة، تقدم لنا محاكاة ساخرة، قوامها خرافة أو مباراة استعراضية. صحيح أن المحاكاة الساخرة ليست مقصودة، ولكن ذلك لا يغير في الأمر شيئا.
ان الصور التي لا تستهدف شيئا، أي الصور التي لم يتم تمثلها داخليا، تلتهم الفكرة من دون أن تترك منها أثرا، وتشوهها على الصعيد الفني والصعيد السياسي على حد سواء. لماذا يبقي ايفان يده، في مواجهة السيوف والغدارات، دفينة في حزامه؟ ما الداعي الى مثل هذا الازدراء للتقنية؟ ان ايفان أوهن تسليحا بكثير من ويلسون، هذا مؤكد. ولكن لهذا على وجه التحديد ينبغي عليه أن يستخدم كلتا يديه. وإذا وجدناه لا يخر على الارض صريعا، فهذا لان في شيكاغو عمالا، لا جنرالات فحسب، وكذلك لأن قسما كبيرا من أولئك العمال هم ضد ويلسون ومع ايفان. القصيدة لا تبين ذلك. وواضعها، بحرصه على الوصول الى صورة عظيمة الحجم، يضيًّع معالمها الاساسية.
يقسم المؤلف، بعجلة وبالإتفاق، أي هنا أيضا بلا حافز او مبرر، العالم إلى طبقتين اثنتين : من جهة أولى ويلسون السابح في الشحم، مع القواقم والقنادس والأجرام السماوية الكبيرة، ومن الجهة الثانية ايفان، مع بذلات العمل وملايين نجوم درب المجرة : “للقنادس ثرثرة منحطي العالم بأسره، وللبذلات جملة المستقبليين الفولاذية”. ومن سوء الحظ ان الشاعر، بالرغم من أنه معبر ومالك لبعض جمل قوية مناسبة، بالإضافة إلى صور لامعة براقة، لا يملك في الحقيقة أي جملة فولاذية لبذلات العمل. أعلة ذلك نقص في الموهبة؟ كلا، وانما افتقارا منه الى صورة للثورة. مصاغة بالاعصاب والدماغ، صورة يكون التعبير مناطا بها. يلعب المؤلف لعبة الأقوياء، فيتلقف جملة ثم يرميها، وهكذا دواليك. قول ماياكوفسكي مهددا : “سنجهز عليك، ايها العالم الرومانسي!”. حسنا.
يجب أن يوضع، بالفعل، حد لرومانسية اوبلوموف وكاراتاييف. ولكن كيف؟ “انه هرم، اقتله، وأتخد من جمجمته منفضة”. أليست هذه رومانسية، بل ورومانسية سلبية؟ ان الجماجم المتخذة منافض ليست عملية ولا صحية. وهذه الوحشية، بعد كل شيء… ليست بذات دلالة كبيرة. لا جدال في أن الشاعر مصاب بداء الرومانسية حتى يخطر له أن يستعمل عظام الجمجمة على ذلك النحو. على كل الأحوال، لم يتمثل صوره ولم يوحدها. “انشلوا ثروة العالمين جميعا!”. بهذه اللهجة الرافعة للكلفة يتكلم ماياكوفسكي عن الاشتراكية. لكن النشل يعني سلوك مسلك اللص. فهل تكون هذه الكلمة في محلها،حين يكون المقصود بها مصادرة المجتمع للارض والمصانع؟ إنها قطعا في غير محلها، وبشكل لافت للنظر. المؤلف لا يحجم عن التبذل حتى يتصادق مع الاشتراكية والثورة. والحال أنه حين ينخس بلا كلفة المئة والخمسين مليون ايفان “في خواصرهم”، فانه لا يكبِّر ايفان الى حجم عملاق، بل يصغره فقط الى ثمن صفحة. إن رفع الكلفة لا يعبر بتاتا عن العلاقة الحميمة العميقة، ولا يدلل في غالب الأحيان إلا على انعدام اللياقة السياسية أو الاخلاقية. إن روابط رصينة وجدية وعميقة بالثورة تستبعد اللهجة الرافعة للكلفة، وعنها يمكن أن يتولد ما يسميه الألمان إشجاء البعد.
تحتوي القصيدة على جمل قوية، على صورة جريئة، وعلى تعابير تقع من النفس موقعا حسنا. ولعل “صلاة السلم المظفرة” التي تختتمها هي أقوى أجزائها. لكنها في مجملها مطبوعة بطابع من انعدام الحركة الداخلية. والتناقضات غير مسلطة عليها الأنوار، حتى يجري حلها فيما بعد. أقصيدة عن الثورة، والحركة فيها منعدمة ! والصور، الموجودة لذاتها، تتصادم ويجندل بعضها بعضا. وافتقادها التوافق لا ينبع من المادة التاريخية، وانما من شقاق داخلي مع فلسفة ثورية للحياة. ومع ذلك، حين نصل، ولو بعد لأي، الى خاتمة القصيدة، يخطر لنا ان عملا كبيرا كان من الممكن أن يكتب لو دلل الشاعر فحسب على اعتدال ونقد ذاتي! لعل هذه العيوب الاساسية لا ترجع الى ماياكوفسكي نفسه، وإنما الى كونه يعمل في إنبيق أو حوجلة. فما من شيء يقضي على النقد الذاتي و الرزانة وحسن الاعتدال مثل حياة النوادي.
تخفق مسرحيات ماياكوفسكي الهجائية هي الأخرى في التغلغل الى جوهر الاشياء والى صميم علاقاتها. هجاؤه لاذع  ولكنه سطحي، فالرسام الكاريكاتوري، حتى يقول شيئا ما، لا يكفي أن يكون متمكنا من قلمه فحسب بل عليه أن يعرف العالم الذي يميط القناع عنه، معرفته بجيبه. لقد كان سالتيكوف(32) يعرف حق المعرفة البيرقراطية والنبالة! وأن رسما كاريكاتوريا تقريبا (واأسفاه! أن 99 من أصل 100 من الرسامين الكاريكاتوريين السوفياتيين هم كذلك) لهو أشبه برصاصة تخطئ الهدف، ولو بعرض أصبع، أو حتى شعرة؛ لقد كادت أن تصيب الهدف، ولكنها أخطأته بعد كل شيء. ان هجاء ماياكوفسكي تقريبي؛ فملاحظاته التهكمية اللاذعة، التي يرددها الممثل على انفراد، تخطيء هدفها، حينا بعرض أصبع، وحينا آخر بعرض اليد كلها. يعتقد ماياكوفسكي اعتقادا جادا أن “الهزلي” يمكن عزله عن ركيزته واختزاله الى  ظاهره. بل انه، في مقدمته لديوانه الهجائي، يضع “مخططا للضحك”. وما يجعل المرء يبتسم بحيرة بالاحرى، عند قراءة ذلك “المخطط”. هو أنه لا ينطوي على شيء مضحك البتة. وحتى لو قدم لنا أحدهم “مخططا” أكثر توفيقا من “مخطط” ماياكوفسكي، لما ألغى الفارق  الذي يفصل الضحك الناجم عن هجاء يصيب هدفه عن الهمهمة تحدثها ذغدغة لفظية.
لقد ارتقى ماياكوفسكي من البوهيميا التي دفعت به الى أمام الى مستوى انجازات مبدعة حقيقية. لكن الغصن الذي تسلق عليه ليس الا غصنه. انه يتمرد على شرطه، على التبعية المادية والمعنوية التي تغل حياته، وبخاصة حبه، ألمه، سخطه على أولئك الذين يملكون المقدرة على حرمانه من محبوبته، يحضانه حتى على مناداة الثورة وعلى التنبؤ بانقضاضها كالصاعقة على رأس مجتمع يحرم شخصا يدعى ماياكوفسكي من الحرية. اليست “الغيمة في البنطال”، وهي قصيدة حب تعيس، أثره الأبلغ دلالة على صعيد الفن، والاكثر جرأة والأحفل بالوعود على صعيد الابداع؟ بل انه ليشق على المرء أن يتصور أن قطعة بمثل تلك القوة الباهرة وذات شكل بمثل تلك الأصالة قد كتبها فتى يتراوح عمره بين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين. لكن “الحرب والكون” و”السر المضحك” و”150.000.000″ أضعف بكثير، وذلك لأن ماياكوفسكي هجر مداره الشخصي ليدور في مدار الثورة. وكلما نستطيعه هو ان نحيي جهوده لأنه لا وجود، بالفعل، لطريق آخر بالنسبة اليه. وتعود “بهذه المناسبة” الى موضوعة الحب الشخصي، ولكن الى ما وراء “الغيمة” ببضع خطوات، لا الى قدامها. والحق أنه لا يمكن الحفاظ على التوازن على صعيد أعلى بكثير الا عن طريق توسيع حقل المعرفة وتعميق المضمون الفني. بيد أنه لا يسعنا ألا  نقر بأن الانخراط في طريق فني واجتماعي جديد أمر بالغ الصعوبة.
في الآونة الأخيرة هذه تحسنت، بلا جدال، تقنية ماياكوفسكي، لكنها زادت أيضا ابتسارا ونأيا عن الاصالة. تنطوي “السر المضحك” و”150.000.000″، الى جانب جمل رائعة، على ثغرات محتومة، تعوض عنها بقدر أو بآخر البلاغة وبعض الخطوات الراقصة على الحبل الصوتي. الطابع العضوي، الصدق، الصيحة الداخلية التي كنا سمعناها في “الغيمة” لم تعد موجودة. يقول بعضهم: “ماياكوفسكي يكرر نفسه”. ويضيف بعضهم الآخر: “استهلك ماياكوفسكي نفسه”. ويتهلل آخرون بخبث: “ماياكوفسكي صار شاعرا رسميا”. أصحيح هذا كله؟ لا نتسرعن في التنبؤ بنبوءات متشائمة. صحيح أن ماياكوفسكي لم يعد مراهقا، لكنه ما يزال شابا. هذا يبيح لنا الا نغمض أعيننا دون العقبات التي تسد طريقه. فتلك العفوية الخلاقة، التي تنبض كنبع حي في “الغيمة”، لن يستعيدها أبدا. لكن لا داعي للتأسف على ذلك. فعفوية أيام الفتوة والشباب تخلي الساح بوجه عام، في أيام النضج والكهولة، لتمكن أكيد من الذات، لا يتجلى  في التمكن المتين من اللغة فحسب، بل أيضا في رؤية واسعة رحبة للحياة والتاريخ، في تغلغل عميق في أوالية القوى الجماعية والفردية والأفكار والأمزجة والأهواء. هذا التمكن أو الاقتدار يتنافى مع الهواية الاجتماعية، والصراخ، وقلة احترام الذات، المرافقة عادة للتبجح الملحف والمزعج. إنه لا يتجلى في ادعاء العبقرية والتظاهر بها، أو في ممارسة الغش  لانتزاع إعجاب الناس، أو أي درجة أخرى رائجة في مقاهي الانتلجانسيا. واذا ما انتهت الأزمة التي يمر بها الشاعر – والأزمة قائمة فعلا – الى أن تجد حلا لها في صحو فكري يعرف كيف يميز الخاص من العام، فان مؤرخ الأدب سيقول ان “السر المضحك” و”150.000.000″ لم تشيرا الا الى انخفاض محتم ومؤقت في التوتر عند منعطف طريق لا يني يتصاعد. ونحن نتمنى صادقين الا يكذّب ماياكوفسكي مؤرخ المستقبل.
من الجلي الذي لا يحتاج الى بيان أن كل مل ما سلف كتبه تلميذ ثانوي موهوب جدا، عن نية واضحة و”مستقلة بذاتها” في “وخز استاذ الأدب، وهو متحذلق مشهور، بريشة”. لكن مجددينا الاشاوس، البارعين كل البراعة في غرس ريشتهم، عاجزون عن استخدامها في عمل نظري صحيح. وليس من العسير سوق الادلة على ذلك.
بديهي ان المستقبلية أحست بإيحاءات المدينة والترامواي والكهرباء والتلغراف والسيارة والحوامة والملهى الليلي (وعلى الاخص الملهى الليلي) قبل ان تعثر على شكلها الجديد. وهندسة المدن ضاربة جذورها في لاشعور المستقبلية، وما نعوت المستقبلية واشتقاقاتها ونحوها وأوزانها إلا محاولة لاعطاء شكل فني لروح المدن الجديدة التي استحوذت على الوعي. ولئن هتف ماياكوفسكي: “اتروكوا المدن، ياأغبياء البشر”، فهذه صيحة أبن مدينة، صيحة رجل متمدين حتى نخاع العظم. ومدينيته لا تتجلى في اوضح اشكالها واسطعها إلا خارج المدينة اصلا، حين “يترك المدينة”… كي يذهب الى داره الريفية. ليست المسألة هنا، بحال من الاحوال، “تجريما” ( ترد هذه الكلمة كالشعرة في الحساء) لشاعر على الافكار والعواطف التي يعبر عنها. ولا ريب في ان الطريقة التي يعبر بها عنها هي التي تجعل من الشاعر شاعرا. لكن الشاعر يؤدي، في خاتمة المطاف، في لغة المدرسة التي تبناها أو ابدعها بنفسه، مهام تقع خارجا عنه. وهذا صحيح حتى ولو قصر نفسه على حلقة الغنائية الضيقة: حبه الشخصي وموته الذاتي.
وطبيعي ان الفروق الدقيقة الفردية في الشكل الشعري تناظر طريقة التفكير الفردية، لكنها تتكيف ايضا مع التقليد والروتين، سواء افي ميدان العواطف ام في ميدان التعبير عنها. ان الشكل الفني الجديد، مأخوذا بالمعنى التاريخي الواسع، يرى النور استجابة لحاجات جديدة.

***

حين يكسر المرء ذراعا له أو ساقا، لا يترتب على ذلك انكسار العظام وانقطاع الاوتار والعضلات والشرايين والأعصاب والجلد وفق خط واحد، كذلك فانها لا تعاود الالتصاق و تتماثل الى الشفاء في وقت واحد. وحين يحدث كسر ثوري في  حياة المجتمعات، لا يقوم هنا أيضا تواقت أو تناظر في السيرورات، سواء أعلى الصعيد الايديولوجي أم في البنية الاقتصادية. لقد رأت المقدمات الايديولوجية الضرورية للثورة النور قبل الثورة، في حين أن أهم النتائج الايديولوجية للثورة لا تظهر الا بعد مرور وقت طويل على قيامها. وعليه، من  الخفة بمكان أن نقيم، استنادا الى تشابهات وتجانسات شكلية، نوعا من وحدة الهوية بين المستقبلية والشيوعية، وان نستخلص من ذلك أن المستقلبية هي فن البروليتاريا. من الواجب أن نرد أشباه هذه الادعاءات، لكن هذا لا يعني أنه من الواجب أيضا أن ننظر بعين الازدراء الى عمل المستقبليين. فهم يشكلون، في رأينا، المعالم التمهيدية الضرورية لتكوين أدب جديد وعظيم. بيد أنهم، من منظور هذا الادب، لا يشكلون سوى حلقة ذات مغزى. حسبنا، حتى نقتنع ذلك، ان نتناول المسألة تناولا أكثر عيانية، على الصعيد التاريخي. فالمستقبليون لا يجانبون الصواب، حين يردون على لوم اللائمين بأن أعمالهم ليست في متناول الجماهير، بأن “رأسمال ” ماركس ليس هو الآخر في متناول الجماهير. فمن المحقق أن الجماهير ما تزال تنقصها الثقافة والتأهيل الجمالي، وأنها لن ترتقي الا ببطء. لكن ليس ذلك سوى واحد من الأسباب التي تجعل المستقبلية في غير متناولها. وثمة سبب آخر: فالمستقبلية، في طرائقها وأشكالها، تحمل البصمات الواضحة لهذا العالم أو بالأحرى هذا العالم الصغير الذي رأت فيه النور، والذي لما تخرج منه بعد بحكم منطق الأشياء – سيكولوجياً لا منطقيا- حتى يومنا هذا. وانه لمن الصعب أن نسلخ عن المستقبلية اقنومها الفكري، صعوبة فصل الشكل عن المضمون. ولو حدث ذلك، لتعرضت المستقبلية لتغير كيفي بالغ العمق لا تعود معه هي المستقبلية. ولسوف يحدث ذلك، ولكن ليس غدا. على أنه يسعنا، حتى من اليوم، أن نؤكد أن ما تتألف منه المستقبلية سيكون في شطره الأكبر نافعا، وستكون هناك إمكانية لاستخدامه في انبعاث الفن ومعاودته النهوض، بشرط أن تتعلم المستقبلية الوقوف على ساقيها، من دون أن تحاول فرض نفسها بمرسوم حكومي، كما شاءت أن تفعل ذلك في مستهل الثورة. فالأشكال الجديدة ينبغي أن تجد من تلقاء نفسها، باستقلال، منفذا إلى وجدان العناصر المتقدمة من الطبقة العاملة، طرداً مع تطور هذه العناصر ثقافيا. إن الفن لا يستطيع لا أن يحيا ولا أن يتطور من غير أن يحوطه جو من الود والتعاطف، وإنما على هذا الطريق، وليس على أي طريق آخر، ستظهر سيرورة معقدة من العلاقات المتبادلة. فارتفاع المستوى الثقافي للطبقة العاملة سيساعد وسيكون له ثأثيره على أولئك المجددين الذين لديهم حقا شيء  يقولونه. أما التصنع، المحتم حين تسيطر التكتلات، فسيزول وستتمخض البراعم الحية عن أشكال جديدة تتيح إمكانية حل مشكلات فنية جديدة. هذا التطور يفترض قبل أي شيء آخر تراكم خيرات ثقافية، ونمو الرفاهية، وتطور التقنية. ليس هناك طريق آخر. من المستحيل أن نتصور جديا أن التاريخ سيضع أعمال المستقبليين في معلبات حتى يقدمها، بعد سنوات عديدة، للجماهير التي تكون قد أدركت النضج. ان ذلك سيكون ضربا  خالصا من…الماضوية. يوم سيأتي ذلك الزمن، وهو لن يأتي غدا، يوم تردم التربية الثقافية والجمالية للجماهير الكادحة الهوة بين الانتيلجينسيا المبدعة والشعب. يومئد سيرتدي الفن مظهرا مغايرا تماما. وفي هذه السيرورة، سوف تظهر المستقبلية على أنها حلقة لا غنى عنها. فهل هذا بالقليل؟.

 ليست هندسة المدن هي التي أوحت للشاعر، بعد أن أثارت انتباه عينه و أذنه أو أعادت تربيتهما، بشكل جديد، بصورة  جديدة، بنعوت جديدة، وبوزن جديد، بل ان الشكل الجديد، على العكس، هو الذي رأى النور عفويا (بصورة “مستقلة بذاتها”) فارغم الشاعر على البحث عن مادة موائمة، و دفع به، في من دفع بهم، باتجاه المدينة ! لقد تم تطور “الكتلة اللفظية” عفويا من “الاوذسيه” الى “الغيمة في البنطال”: أما المشعلة، و الشمعدان، ثم المصباح الكهربائي، فلا دخل لها بالموضوع ! حسبنا أن نصوغ وجهة النظر هذه صياغة واضحة حتى يبرز للعيان تهافتها الصبياني. لكن جاكوبسون يحاول أن يلح ويصر؛ فهو يرد سلفا بأننا نجد لدى ماياكوفسكي عينه أبياتا كهذه : “اتركوا المدن، يأغبياء البشر”. وتصدر عن منظّر المدرسة الشكلية هذه المحاكمة الفكرية العميقة: “ما هذا أذن؟ أتناقض منطقي؟ ولكن فليعز غيري الى الشاعر الافكار المعبر عنها في أعماله. أن تجريم الشاعر بسبب الافكار والعواطف موقف لا يقل عبثية عن موقف جمهور العصر الوسيط حين كان ينهال بالضرب على الممثل الذي أدى دور يهوذا”. وهكذا دواليك.

- ترجمة جورج طرابيشي 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نردٌ لا يتوقف

مرثيّة في تخوم نينوىٰ

ظِلٌّ بَيْنَ فَرَاغَيْنِ