شاعر يَكتِبُه التاريخ ويشتمهُ المؤرخون
صورة لسعدي يوسف في لندن
يكاد النقاد والمشتغلون بالثقافة العراقية "يجمعون" على أن سعدي يوسف، الشاعر والمترجم العراقي المخضرم، هو "أحد أهم الشعراء العراقيين الأحياء، إن لم يكن أهمهم قاطبة"حيث إن سعدي يوسف يذكر ضمن "مصاف شعراء عراقيين كبارا آخرين وهذه الطبقة هم الفحول في القصيدة العراقية الحديثة الذين احدثوا تغييرا واسعا في الشعر العربي الحديث وأثروا فيه من خلال ما قدموه عبر نتاج أدبي وسعدي هو آخر من بقي على قيد الشعر والحياة "
سعدي يوسف المولود في عام 1934 في محافظة البصرة، قريبا من مكان ولادة شاعر البصرة الأهم، بدر شاكر السياب، يعيش حاليا في لندن، وقد تدهور وضعه الصحي بشكل كبير جدا بعد معاناته لسنوات من مرض عضال.
ومنذ صباه أثارت أشعار سعدي يوسف الجدل داخل الأوساط السياسية والثقافية العراقية بانتقاده المستمر لزملائه المثقفين والشعراء، ولخصومه السياسيين وعُرف بانتمائه الفكري للحركة الشيوعية التي كانت رائدة في العراق اوائل واواسط القرن الماضي كاداة للتحرر الوطني من الاستعمار والنضال نحو الاستقلال الوطني حيث ان هذا الانتماء واضح في عدد من قصائده وله ديوان بعنوان "الشيوعي الاخير" والذي يرى فيها اخر ما تبقى من الصدق في المفاهيم الفكرية والانسانية للشيوعية رغم كهولته .
وفي فترة 2013، فجرت إحدى قصائد يوسف "قنبلة" داخل العراق، إذ أنه انتقد فيها القوات العراقية وعدد من رجال دين وكذلك الدين الإسلامي في ٣ قصائد كان لها اثر كبير على خلق مواقف معادية للشاعر المعروف بمعاداته للنظام السياسي القائم ولربما كانت ابرزها قصيدته "عائشة" التي هزت عرش الذكورية العربية وانتصرت للمرأة وقد اعتبرها الكثير على إنها ضد الدين .
ولكنهُ يكتُب من موقفٍ وطني ، يعطيه الحرية والحق أن ينتقد ويهاجم كل موقف أو جهة أو شخصية يختلف معها ويتهمها بالمشاركة أو الصمت على جريمة الاحتلال والطائفية والدم والخراب، ولا يوجد احد من هؤلاء مقدس أو محصن من النقد، ولا شيء مقدس عدا الإنسان والدم العراقي المسفوك في الشوارع، والتي يصورها في قصيدته التي يدافع فيها عن مدينة وطنية منكوبة دمرها الأمريكان و هي الفلوجة.
حيث قوبل طلب وزير الثقافة برعاية الشاعر في فترة مرضه بانتقادات شديدة من اعضاء بالبرلمان وللاسف من "شُعراء" ، حيث صرح العديد بإن يوسف "انتقد الدين وتطاول على شخصياته" واخرون بانه قد "ايد تنظيم داعش" وهي محاولة لقلب الحقيقة التي كان يسعى اليها الشاعر وتوصلوا جميعا بان سعدي يوسف لا يستحق الزيارة أو الرعاية الحكومية مما ادى الى تراجع الوزير في قراره ، حيث يعتبر موقف الوزير هو سقطة كبيرة لحرية التعبير في العراق فلو كان يوسف مجرما، لم لا يحاكمه القضاء؟ وإن كان بريئا، فلم تشتمه السلطات؟".
وقد عبر الوزير في رسالة اعتذاره من الافراد الذين انتقدوا تقديم المساعدة للشاعر سعدي يوسف بقوله إن "إيماني بقيمي الدينية المقدسة واحترامي وتقديري لمشاعر الكثرة الكاثرة من الناس أهم من تعاطفي ذاك" فانا لا اعرف ما علاقة القيم الدينية للوزير بواجباته كراعٍ للثقافة العراقية، التي يعتبر سعدي من أهم رموزها؟ وكيف لنا ان نستأمن على مستقبل الادباء الذين قد يواجهون هكذا مصير شبيه بمصير الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد وسعدي والنواب ... الذين اهُملوا بسبب هكذا سياسات لنفي الحرية التي يجب ان يتمتع بها الكاتب والتي تاتي من ان يكون صادقا مع ذاته ومؤمنا في ما سيكتب وليس ان يكون خائفاً منه او مترددا.
يستمر هذا الاعتراض على التوقيت والأسلوب الذي يكتب فيه الشاعر سعدي يوسف، والتي استخدم فيها كلمات جارحة وغاضبة، "على حد تعبيرهم" هو أمر يحتمل الاتفاق والقبول أو الخلاف والرفض. لكنه شأن متروك للكاتب نفسه. وليس من حق اي انسان ان يقف امام ممارسة الشاعر للحرية الكاملة، ومحاولة نقلها للآخرين، على انها امر كارثي وليست قصيدة ينقل فيها الشاعر ما يراه على ورقة وحبر من الدموع والدماء.
كما يجب على "المثقفين" التعلم على الفصل دائماً بين المشاعر والميول الفكرية والابداع الأدبي، حيث أن النظر إلى شاعر عربي متميز مثل سعدي علينا أن نتعامل معها بحذر شديد؛ بيد إنَّ رجل مثل سعدي بهذا الكم الممتلئ شعرياً ولغوياً يجب أن ننظر له كشاعر مُحدث في الشعر العربي وقائم بذاته ومستقل بمواقفه التي قد تجرح الكثيرين حتى الأصدقاء منهم.
٢٧ ايار ٢٠٢١
يكاد النقاد والمشتغلون بالثقافة العراقية "يجمعون" على أن سعدي يوسف، الشاعر والمترجم العراقي المخضرم، هو "أحد أهم الشعراء العراقيين الأحياء، إن لم يكن أهمهم قاطبة"حيث إن سعدي يوسف يذكر ضمن "مصاف شعراء عراقيين كبارا آخرين وهذه الطبقة هم الفحول في القصيدة العراقية الحديثة الذين احدثوا تغييرا واسعا في الشعر العربي الحديث وأثروا فيه من خلال ما قدموه عبر نتاج أدبي وسعدي هو آخر من بقي على قيد الشعر والحياة "
سعدي يوسف المولود في عام 1934 في محافظة البصرة، قريبا من مكان ولادة شاعر البصرة الأهم، بدر شاكر السياب، يعيش حاليا في لندن، وقد تدهور وضعه الصحي بشكل كبير جدا بعد معاناته لسنوات من مرض عضال.
ومنذ صباه أثارت أشعار سعدي يوسف الجدل داخل الأوساط السياسية والثقافية العراقية بانتقاده المستمر لزملائه المثقفين والشعراء، ولخصومه السياسيين وعُرف بانتمائه الفكري للحركة الشيوعية التي كانت رائدة في العراق اوائل واواسط القرن الماضي كاداة للتحرر الوطني من الاستعمار والنضال نحو الاستقلال الوطني حيث ان هذا الانتماء واضح في عدد من قصائده وله ديوان بعنوان "الشيوعي الاخير" والذي يرى فيها اخر ما تبقى من الصدق في المفاهيم الفكرية والانسانية للشيوعية رغم كهولته .
وفي فترة 2013، فجرت إحدى قصائد يوسف "قنبلة" داخل العراق، إذ أنه انتقد فيها القوات العراقية وعدد من رجال دين وكذلك الدين الإسلامي في ٣ قصائد كان لها اثر كبير على خلق مواقف معادية للشاعر المعروف بمعاداته للنظام السياسي القائم ولربما كانت ابرزها قصيدته "عائشة" التي هزت عرش الذكورية العربية وانتصرت للمرأة وقد اعتبرها الكثير على إنها ضد الدين .
ولكنهُ يكتُب من موقفٍ وطني ، يعطيه الحرية والحق أن ينتقد ويهاجم كل موقف أو جهة أو شخصية يختلف معها ويتهمها بالمشاركة أو الصمت على جريمة الاحتلال والطائفية والدم والخراب، ولا يوجد احد من هؤلاء مقدس أو محصن من النقد، ولا شيء مقدس عدا الإنسان والدم العراقي المسفوك في الشوارع، والتي يصورها في قصيدته التي يدافع فيها عن مدينة وطنية منكوبة دمرها الأمريكان و هي الفلوجة.
حيث قوبل طلب وزير الثقافة برعاية الشاعر في فترة مرضه بانتقادات شديدة من اعضاء بالبرلمان وللاسف من "شُعراء" ، حيث صرح العديد بإن يوسف "انتقد الدين وتطاول على شخصياته" واخرون بانه قد "ايد تنظيم داعش" وهي محاولة لقلب الحقيقة التي كان يسعى اليها الشاعر وتوصلوا جميعا بان سعدي يوسف لا يستحق الزيارة أو الرعاية الحكومية مما ادى الى تراجع الوزير في قراره ، حيث يعتبر موقف الوزير هو سقطة كبيرة لحرية التعبير في العراق فلو كان يوسف مجرما، لم لا يحاكمه القضاء؟ وإن كان بريئا، فلم تشتمه السلطات؟".
وقد عبر الوزير في رسالة اعتذاره من الافراد الذين انتقدوا تقديم المساعدة للشاعر سعدي يوسف بقوله إن "إيماني بقيمي الدينية المقدسة واحترامي وتقديري لمشاعر الكثرة الكاثرة من الناس أهم من تعاطفي ذاك" فانا لا اعرف ما علاقة القيم الدينية للوزير بواجباته كراعٍ للثقافة العراقية، التي يعتبر سعدي من أهم رموزها؟ وكيف لنا ان نستأمن على مستقبل الادباء الذين قد يواجهون هكذا مصير شبيه بمصير الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد وسعدي والنواب ... الذين اهُملوا بسبب هكذا سياسات لنفي الحرية التي يجب ان يتمتع بها الكاتب والتي تاتي من ان يكون صادقا مع ذاته ومؤمنا في ما سيكتب وليس ان يكون خائفاً منه او مترددا.
يستمر هذا الاعتراض على التوقيت والأسلوب الذي يكتب فيه الشاعر سعدي يوسف، والتي استخدم فيها كلمات جارحة وغاضبة، "على حد تعبيرهم" هو أمر يحتمل الاتفاق والقبول أو الخلاف والرفض. لكنه شأن متروك للكاتب نفسه. وليس من حق اي انسان ان يقف امام ممارسة الشاعر للحرية الكاملة، ومحاولة نقلها للآخرين، على انها امر كارثي وليست قصيدة ينقل فيها الشاعر ما يراه على ورقة وحبر من الدموع والدماء.
كما يجب على "المثقفين" التعلم على الفصل دائماً بين المشاعر والميول الفكرية والابداع الأدبي، حيث أن النظر إلى شاعر عربي متميز مثل سعدي علينا أن نتعامل معها بحذر شديد؛ بيد إنَّ رجل مثل سعدي بهذا الكم الممتلئ شعرياً ولغوياً يجب أن ننظر له كشاعر مُحدث في الشعر العربي وقائم بذاته ومستقل بمواقفه التي قد تجرح الكثيرين حتى الأصدقاء منهم.
و إنّ أغلب منتقدي يوسف ليسوا سوى الباحثين عن البروز الإعلامي أو من ذوي الأنفجارات اللغوّية، وربما ليسوا شعراء أساساً !، وذلك لأن المبدع دوماً ما يفصل بين الأبداع والموقف.
وأبسط مثال ربما يجعل من كلامنا عن سعدي برهاناً وليس فيه مبالغة أو تحيز هو حين نقرأ ديوان السونيت هذا الديوان الذي فيه محاكاة سونيتات شكسبير وبشعرية عربية خالصة من باب أستخدام التكنيك الشعري الانكليزي وترويضه داخل الاوزان الشعرية العربية، هذا العمل الذي كما يَصفه الكاتب و المترجم العراقي محمد مظلوم بأنه أشبه بترويض النمور وحده يجعلنا نقف ونتسائل:
أيُ شاعرٍ هذا ؟
بلغةٍ عالية وصوت شعري فريد ؟
ببساطة هو - سعدي يوسف
هذا مَن يُحرك اللوح الصامت (تحت جدارية فائق حسن) ويستنطق الورد والأشجار، ليظلَ يقول من أقصى الأرضِ "هاهي شمسُ القرى تمنحُ النّخْلَ غابًا من الريش أحمرَ
هاهي أكواخُنا:
- سَعفةٌ نستظلُّ بها أو وقودٌ لبغضائِنا"*
- سَعفةٌ نستظلُّ بها أو وقودٌ لبغضائِنا"*
إن يوسف الى هذي اللحظة أطيافهُ تلاحق الفاسدين والقتلة، كما تلاحق المبدعين والشعراء ليستفيدوا من هذي التجربة التي منها قد يحق لنا القول بأن أعظم شعراء العرب هم: امرؤ القيس، أحمد المتنبي، سعدي يوسف.
والى هذه اللحظة العراق يكسر ويطارد كل من هو حرّ كل من هو ليس مع ماهو متعارف عليه ، ان تخلي العراق عن ادبائه وشعرائه ليس بالجديد ولكنهُ قد يكون ثقافة الطبقات التي تحكم العراق او انها سبب في مفاهيم غير متزنه للعديد من "الشعراء" الذين لديهم استعداد لحذف تاريخ ادبي كامل لانهم لم يتعلموا كيف يتعاملون مع الشعر ويفرقونه عن الاراء الخارجة عن الصيغ الشعرية .
٢٧ ايار ٢٠٢١
سيزر إيوان جارو
________________
*قصيدة عبور الوادي الكبير - سعدي يوسف
تعليقات
إرسال تعليق