ثلاث قصائد عن الفردوس
كولاج نوفل عبدالله
شعر: سيزر إيوان جارو
فِرْدَوس الظَّلام
(١)
الغيمةُ تُفتّتُ بقيتي ، تُوقد في الصقيع شمعةً لا تلقى الضياء، أرى الوحدةَ تدعوني فاتبعُ أصواتهّا الملأى بظلالِ الغَدر ، في وَهَلِ اللَّيل لَم يمسني بردٌ في العظامِ أو حتّى لفْحةُ هواءٍ، لكنّني تحسّسُت فَرط وحدَتي فملتُ من ثِقلِها .
صرخت الجُدرانُ وهي تتّساقطُ ألماً :
لِمَ، لِمَ كلما نظرتَ إليها تتأَرَقُّ، كإن جسَدكَ غيمةٌ و دُموعُكَ مطرٌ ينزف من اجفانكَ ، هكذا جفَ الصباحُ و أنتَ خطيئةٌ بيضاءَ ، ولا يزال الليلُ يَجثُو فوق صدركَ ، ولا ترى شيئاً يَكبُرُكَ سوى الظلام .
. . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
فعدتُ إلى رأسٍ خَلَّت منهُ الأيام ،
أصرخُ في أعماقي لا جديدَ – كُلّيَ الأمس ! ،
حتى فقدتُ ظلّي .
نَفَسٌ يكادُ يَخْنُقُني ، و أرقُ سؤالي:
مَن سيَأخذُني إلى الغد ؟
ليدُلَّني بعينٍ كواها الجمر ،
يعطيني رَزَّةً
و مسامير
لأوصدَ ما فيَّ من ألمٍ .
. . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
روحيَ مقبرةٌ أسكن فيها ،
أطوف وحيداً في نفسّي ،
"إلهي ، إلهي ، لِمَ تركتني؟"¹
دونَ شيءٍ يزيّنُ جدران الجسدِ
تركتني وحيداً رغمَ سِعَةِ الدروب
أينكَ ربي من ألمي ؟ .
في القمة الفضية للضبابِ ،
في فوضى الليل أغمضُ عيني ،
لأتحرّرَ من أحزاني ! .
. . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
وأنتِ أيتها الكلمةُ ،
أنتِ خبزي في منفى الأيامِ .
..
فِرْدَوس الآلام
(٢)
في البدءِ لم اكن شيئاً ، كنت صرخةً ثم رُميتُ إلى الأرض. وفي عتمةِ الكلام ، يُخَيَّلُ إليَّ أني ذاكَ المُكْفَهِرُّ بلا مبسمٍ ، يدعو بالويلِ لأبٍ كانت خطيئته إنهُ أتى بهِ و رحل — ويقول: يا من بعثتني من العدمِ ، خطيئةً لا يغفرها إلا الموت.
فيخنقهُ صداه ، لاَشَيْءَ يوقف هَذا الْعَذَّاب ،
وَلاَشَيءَ يُطفِئُ ظَمَأَ رَبِّهِ سوى الجَحِيم .
تمسحَ الوحدةُ قدميهِ البَلِيلَةُ ؛
مِنَ الرّيحِ والندم ،
و يسألُ بعد الرحيـــــل:
مَن يُحصّي ألامَ هذا الجسّد ؟ ،
قّد خارت قوايَّ على حملهِ .
اتنقلُ من حزن قلبٍ لا أَنِيسَ لَهُ ،
للَّيــــــلٍ يزيِّنَهُ الصَّمتُ .
أغفّو علــــــ
ــــــيَّ لا اصحو من رقدتي هذه .
. . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
مرّةً أُخرى توقضني يدٌ تُحَرِّكُني ،
لأُقَلِّبَ كُل حجرٍ فيَّ، لا صدىً في قُبة الفراغ تِلكَ ،
ما مِن بقيةٍ سِوى تويجاتُ دَمٍ ترتجفُ
بلا ماضٍ يُعيدُها إلى حيث هو الإنسان ،
يصيحُ آهٍ من حياة الأشواكِ هذه – أما تنقضي ؟.
ورغم الإتساع، تضيقُ به الحياة كبؤبؤٍ ،
يصرخُ في الظلام بلا دموع:
أيها الليـــــل ، خذني بين ذراعيك ،
فإني أحتـــــرّقُ بِحَر أنفاسي مثل جمرةٍ ،
تكبرُ بذوبان الثُّلوج الهادرة كلما إرتقت روحي ،
إلى حافـــة الحياة تخترقُ ليلَ الأزمنة ،
و على إيقاعها تئنُ ،
قد استبدّكَ الألم .
. . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
الفِرْدَوس المَفقود
(٣)
معقودةٌ هيَ الألسُنُ ، في ظلامٍ أبديٍّ أسيرُ على زُرقةِ روحي المُلتوية . أدنو من ظِلالِ الخوفِ لأمسكَ صَرخَتي كجمرةٍ ترتعدُ في الكفِّ ، قربَ جداريّةٍ تَرقبُ مَسيري ، وأنا أرفعُ شعلةَ الحياة
- أسألُ: متى تنطفئ !؟
- تجيبُ: هناكَ عند ضِفَّافِ الخارجِ ؛ حيثُ تأفلُ النجومُ كلما لَبِسَتها المدينة .
ظلَّلَنا الطريق والهدوءُ يتمزقُ في جسدي و الليلُ يكتظُّ بالأنجُمِ ، رسمتُ علامةً تتموَّجُ في الهواء ، وهمستُ في الظلام: لا نَوحٌ في هذا الطوفان الذي يحيطُنا، مثل سكونِ موجةٍ في هديرها ، لأعود إلى نُقطةٍ ترْتجُّ لها أنْفَاسي ؛ عبثاً أسمعُ غمغمة َالرُعبِ في الجدرانِ ،
فلا صوتٌ يفزعُ ظلِّي سوى الرياح .
أرقدُ في رُكامٍ خفيٍّ منهُ انبثقَ ألمي ،
كأنّما يأسٌ مرَّ وأصواتٌ –
تحسّستُ رعشةً في عظامي
فلربّما شيءٌ يغيبُ ،
ربما أغيبُ عن جسدي .
. . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
آهٍ
لوْ أنَّني تَرجَّيْتُ الإله ،
ما كنتُ بَزغتُ هكذا من فمِ الحياةِ
أراني أسيراً في جنَّةِ العُميانِ هذهِ ،
أدفعُ قسطَ الألمِ
— مِثلَ ليلٍ يطلب الضياء ،
ورعْشةٌ تزْدادُ سُطوعاً مَن يُبصرُ أسايَ —
وهو يمرُّ عبرَ مدىً — يتحرّقُ في محاجرِ الحياة .
أنا الغريقُ في بئر أفكاري،
أشرئِبُ مِنْ فراغٍ فيَّ
إلَى صمْتٍ
لا يُنجدُ صدَاي .
..........................................................
بغداد مُنذ كانون الأوّل ٢٠٢١ حتى نَيْسَان ٢٠٢٢
*¹ مطلع المزمور الثاني والعشرون، الكتاب المقدس العهد القديم
تعليقات
إرسال تعليق